التوأمان الذهبيا الشعر.....أسطورة عالمية
ذات مساء خرج ملك شاب إلى شوارع العاصمة متنكرا،يتنزه كعادته. وتوقف أمام نافذة أحد المنازل،فسمع ثلاث فتيات يثرثرن،ويتحدثن عن الشائعة التي انتشرت في المدينة حول رغبة الملك في اختيار عروس.
قالت إحداهن:
إذا تزوجني الملك،فسأضع له طفلا يصبح أعظم بطل في العالم.
وقالت الثانية:
أما أنا،فإذا أصبحت زوجته،فسأمنحه توأمين شعرهما ذهبي.
وقالت الثالثة إنها ستعطي الملك ،فيما لو اقترن بها، فتاة جميلة لا مثيل لها في العالم.
وقرّ رأي الملك ،لدى سماعه هذه الأقوال،على الاقتران بالفتاة التي قالت إنها ستمنحه توأمين ذهبيي الشعر.
وأمر بأن تجرى الاستعدادات للاحتفالات الرسمية والأعياد الخاصة بهذه المناسبة. وما مرت بضعة أيام حتى تزوج الفتاة.
وبعد شهور قليلة ذهب الملك الشاب إلى الحرب، تاركا عروسه في رعاية الملكة الوالدة التي كانت تكرهها كرها لا مزيد عليه.فلما أبصر التوأمان الذهبيا الشعر النور نجحت الملكة العجوز في الاستيلاء عليهما،ووضْع كلبين قبيحين مكانهما في السرير. ثم دفنت الطفلين وأرسلت كتابا إلى الملك تعلن فيه أن الملكة الصبية قد وضعت كلبين بدل التوأمين المنتظرين. واتهمت هذه المرأة الخبيثة الملكة الصبية بأنها ساحرة مشعوذة.
لما تسلّم الملك رسالة أمه،غضب غضبا شديدا معتقدا أن عروسه كذبت عليه عندما وعدته بتوأمين ذهبيي الشعر.
وعلى الأثر أوفد رسولا يحمل الأمر بزج زوجته في سجن مظلم في القصر الملكي. فنفّذت الملكة الأم الأمر على الفور، وزجت زوجة ابنها المسكينة في أوحش سجن،وكان غذاؤها الوحيد الخبز اليابس والماء.
أما الملك فقد ساءه وأحزنه مخادعة زوجته وتلونها . ولم يستطع التفكير في العودة إلى البلاد.فبقي غائبا تسع سنوات.
ولما عاد،استرعت انتباهه،وهو يدخل حدائق القصر،شجرتان رائعتان شديدتا الشبه شكلا وطولا،أوراقهما وأزهارهما بلون الذهب ، وقد نبتتا في المكان نفسه الذي دُفن فيه التوأمان.
وأحب الملك هاتين الشجرتين كثيرا،وكان لا يملّ تأملهما،الأمر الذي لم يكن ليرضي الملكة التي كانت تعلم أن الأميرين الطفلين قد دُفنا مكان الشجرتين،وهي تخشى أن يعرف الملك الحقيقة المرعبة. فادّعت أنها مصابة بداء عُضال ورَجَت ابنها أن يقطع الشجرتين ويصنع لها سريرا من خشبهما،مؤكدة أنها لا محالة هالكة إذا لم يلبّ رغبتها هذه.
وأمر الملك،بالرغم عنه،بقطع الشجرتين رغبة منه في إنقاذ والدته من الموت.وصنع منهما سريرا وضعت فيه الملكة العجوز المريضة التي ابتهجت سرا باختفاء الشجرتين. ولما هبط الليل ألفت نفسها مستيقظة،لا يغمض لها جفن لحظة واحدة. فقد تراءى لها أنها تسمع ألواح سريرها تتكلم :
- كيف حالك يا أخي؟
- إنني في أحسن حال،شكرا،كيف حالك أنت؟
- آه إنني على ما يرام، ولكنني أتساءل عما حل بوالدتنا في سجنها المظلم ،ربما كانت تشكو من الجوع والعطش.
ظلت الملكة الشريرة مسهدة طول الليل،فلما أصبح الصباح،هرعت إلى الملك تشكره على تنفيذ رغباتها السابقة مدعية أن شفاءها لن يتم إلا إذا أحرق السرير. ولم يستطع الملك أن يرفض طلب والدته هذا،وأمر بإحراق السرير. وبينما ألسنة اللهب تلتهم الألواح الخشبية، انفلتت من بينها شعلتان وقعتا في حديقة القصر، وتحولتا إلى حَملين صوفهما ذهبي. وأولع الملك ولعا شديدا بهما، وأمر بالعناية بهما وتغذيتهما.
بيد أن عطف الملك على الحملين الذهبيين لم يرق قط للملكة العجوز التي لم تكن تحتمل رؤيتهما،وصوفهما الذهبي يذكرها بالتوأمين.فإذا بها تراوغ من جديد،مدعية المرض،طالبة ذبح الحملين وشيّهما لتأكلهما كي تشفى مما تشكو منه.
وخانت الملك شجاعته،ولم يقاوم بكاء الملكة العجوز، وتوسلاتها لإنقاذها من المرض الذي حل بها.فذبح الحملين وجزّ صوفهما وكلّف خادما بغسله في النهر. وفيما كان الخادم يغسل الصوف في النهر جرف التيار الصوف وذهب به بعيدا.
واتفق أن صيادا كان مارا وقتئذ قرب النهر،فأبصر شيئا غريبا في الماء،فقفز والتقط صندوقا خشبيا أسود، ودهش أشد دهشة عندما رأى طفلين جميلين شعرها ذهبي. ففرح بهما كثيرا، وبخاصة أنه لم يُرزق أطفالا من قبل، وراح يعتني بهما عناية فائقة كما لو كانا من لحمه ودمه.
وشبّا وأصبحا على جانب كبير من الوسامة، وذات يوم جاءا أباهما وبادراه بالقول:
- أعطنا ملابس رثة كالمتسولين ودعنا نطوف العالم.
فأعطاهما الصياد ما طلباه على كره منه لأنه كان يود أن يبقيا بجانيه.
وهكذا غادر المتسولان الصغيران البيت،وقد أخفى كل منهما خصلات شعره الذهبي بعمامة عتيقة، ولم يحملا من حطام الدنيا إلا قيثارة وصنجا. وبفضل موسيقاهما وأناشيدهما استطاعا أن يجدا في كل مكان مأوى ومأكلا.
وذات يوم ذهبا إلى القصر الملكي، وكان الوقت متأخرا. فطلب الموسيقيان المتجولان قضاء الليل في احد ملحقات القصر لأنهما فقيران وغريبان عن المدينة.وطرق ذلك سمع الملكة العجوز،فلم تأذن بتلبية طلبهما.
ولحسن طالع التوأمين،أقبل الملك اتفاقا إلى فناء القصر. فأمر بإيوائهما وتقديم أشهى الطعام إليهما. وفي الليلة نفسها استدعاهما ليقف بنفسه على مدى مهارتهما في العزف.
فاندفعا يغنيان،على وقع القيثارة والصنج،هذه الأغنية:
(( أقامت السنونو الجميلة عشها في قصر الملك،
وفي هذا العش حضنت صغيريها بحب،
ولكن عقابا ، لغير ذنب. أقبلت تقلق سعادتها وسعادة الفرخين،
ولم تعرف السنونو المسكينة غير الألم...
بيد أن هذين الفرخين أُنقذا.....فكبرا وأصبحا قويين،
وعادا يرفرفان حول القصر حيث أقامت أمهما عشهما ))
وقد أنشدا هذه الأغنية الشجية برقة وعذوبة سحرتا الملك الذي ما لبث أن استفسر عن مغزاها ،فنزع الغلامان قبعتيهما،فانسدلت خصلات شعرهما الذهبي على كتفيهما. وتقدما من الملك، ورويا قصتهما. فاقتنع أنهما ولداه حقيقة ، وانتابته سوْرة غضب شديدة للجرائم التي ارتكبتها والدته،التي تبين له أنها ليست سوى ساحرة شريرة تلبست في جسد أمه، فأمر بإعدامها حرقا، وما أن تم إعدامها حتى ظهرت والدته الطيبة فسُرّ بها كثيرا.
ثم اصطحب ولديه إلى حيث سُجنت الأم المسكينة البريئة، فأنقذها.
وفي غمرة الفرح بلقاء ولديها، وبفضل العناية والحب اللذيْن أحاطاها بهما، نسيت سنين البؤس الطويلة.
وانتصرت المحبة على الشر!...
المصدر:
قصص وأساطير من العالم – سمير شيخاني