اللبن المجنس يهدد صحة المواطنين
تحقيق : أيمن السيسي:
هذا بلاغ للنائب العام لو صحت وقائعه لكان كشفا عن فساد بدأ ينتشر في أكثر من محافظة.. أبطال الواقعة أشخاص يبدو أنهم فقدوا ضمائرهم أو باعوها مقابل المكسب السريع ولو علي حساب الأطفال الرضع!! فما ينتجونه من ألبان مجنسة تباع في الأسواق في محلات الألبان في مدينة نصر وامبابة والمطرية وغيرها من المناطق وتحتوي علي مواد قد تسبب أمراضا خطيرة والعياذ بالله هذه المواد علي رأسها سماد اليوريا وبودرة السيراميك وزهرة الغسيل وما خفي كان أعظم.
لكشف الواقعة اضطررت لانتحال صفة تاجر عائد من لبنان ويريد عمل مشروع يدر دخلا سريعا بغض النظر عن أي شيء آخر, ولكي أقنع صيدي الثمين أحد هؤلاء المتاجرين بصحتنا اصطحبت معي احد معارفي ممن قاموا بعمل مشروع ألبان وادعيت انه فشل في مشروعه ويريد مشاركتي في جريمتي التي لن تتم إلا بالاشتراك مع من قام قبلي بمثل هذه الجريمة المسماة إنتاج اللبن المجنس بهذه المواصفات وبإضافة هذ المواد التي تزيد في الكمية وفي الربح طبعا مما أدي الي انتشارها في بعض معامل الألبان خاصة في محافظتي القليوبية والشرقية.
قال إنه في بعض الشهور في الشتاء أو مواسم مثل رمضان ينتج40 طنا وأقل مكسب يحصل عليه عن كل طن1000 جنيه والحكاية بدأت منذ عمله في احدي شركات الالبان الكبري كمراقب للجودة ومدير للمعمل منذ عام1993 وحتي2003, وهناك تعلم ترشيح اللبن لرفع تركيز الدهن من6% إلي16%, وفي عام1999 بدأ في إنشاء معمله الخاص في قريته إكوا ـ ديرب نجم, ثم في الابراهيمية وأنتج جبنا سماه ديمو من الألبان المجنسة والحكاية يرويها بنفسه احمد عبده بطل الواقعة فكرت في نقل ما تعلمته لإنتاج قشطة مضروبة فقادتني أخطاء في التركيبات الي انتاج اللبن المجنس عام1999 وبالتعامل مع بعض تجار الألبان المغشوشة بديرب نجم استطعت من خلالهم تصريف الإنتاج فاستحسنوه لما يحققه من مكاسب وهكذا دارت عجلة الإنتاج حتي وصل في بعض الأوقات الي انتاج اكثر من40 طنا يوميا خاصة في شهور الشتاء مكسب الطن1000 جنيه سألته هل كل المنتج من الألبان؟ فأجاب: أنتج أنواعا أخري من الجبن فطلبت منه أن يشرح لنا كيفية الإنتاج وأنواع المواد والخامات المستخدمة ومقاديرها وكان الشرح المفزع بعد أن اشترط دفع200 ألف جنيه حتي يصبح شريكا معي مع التزامه بإعادة تصنيع واستخدام أي مرتجعات من الإنتاج مرة أخري بما يعني أن الخسارة ولو بسيطة غير واردة قال: مبدئيا يتم استخراج300 كيلو قشطة من كل طن لبن حليب أصلي تباع تجاريا بسعر10 جنيهات للكيلو وهكذا يكون قد استرجع ثمن اللبن إضافة لربح بسيط أما الباقي700 كيلو فرز فهو عبارة عن شرش لا فائدة منه بعد نزع الدسم وفقد خاصيته وأصبح مجرد ماء بلون الحليب, يضاف إليه لبن بودرة لو هيت عالية البروتين34% مع نوع من الزيوت النباتية سمن شورتنج ليعمل علي استرجاع الدسم إلي لبن البودرة منزوع الدسم وهكذا يتم إعادة طن اللبن وفي طريقة أخري يتم إضافة300 كيلو سمن شورتنج إلي100 كيلو لبن بودرة وخلطها بـ700 كيلو ماء عادي يغلي إلي90 درجة مئوية تنتج طن لبن مجنس وفي الحالتين يكون بنط اللبن( الكثافة) من الدهون والزيوت النباتية45 بنطا علي شكل دسم لكنه ليس بخاصية الدسم.
ويضاف الي هذا الطن المجنس2 طن مياه حتي ينخفض البنط الي15 دسم مشابه لدسم الألبان وكل ذلك لا يكلف أكثر من800 جنيه شاملة الخامات والعمالة والمصروفات ويباع الطن لتجار الألبان المغشوشة بسعر1600 جنيه للطن ويزيد إلي2000 جنيه في بعض الأوقات وهو ما يوفر ربحا يصل الي اكثر من خمسة آلاف جنيه وأحيانا يصل الربح في الطن الواحد إلي2000 جنيه وأي معمل صغير يمكنه انتاج اكثر من ثلاثة أطنان من هذا اللبن المجنس يوميا.
أحد منتجي هذا اللبن المغشوش أضاف: ولأن اللبن الجاف أصفر فيتم إضافة كمية من الزهرة المستخدمة في تبييض ألوان الملابس في الغسيل لكي تعطيه لون الحليب الأبيض وبودرة بلاط( المستخدمة في تبليط الأرضيات) أما الأسوأ واتفقا عليه فهو استخدام المواد الحافظة المحرمة دوليا والتي تؤدي الي الاصابة بالسرطان وهي الفورمالين والأميتاباي بمقادير معينة.
ويؤكد أحد مهندسي الألبان يتم استخدام سماد اليوريا لزيادة نسبة الأزوت( النيتروجين) لكي يعطي مؤشرا( وهميا) علي وجود نسبة بروتين في اللبن والتي تتراوح نسبتها في الألبان الحقيقية بين2,8% إلي3% وبإضافة اليوريا تزيد نسبة البروتين الوهمية إلي3,5% مما يعطي انطباعا أنه لبن جيد جدا وللأسف فإن جهاز تحليل الألبان فقط يؤكد وجود نسبة البروتين ولا يكتشف حقيقتها, أما استخدام بودرة البلاط والسيراميك فلإعطاء اللبن الوهمي اللون الأبيض ولرفع كثافته إلي33 درجة وأحيانا35 في حين أن الألبان الطبيعية لا تزيد نسبة الكثافة فيهاعلي29 في البقري الممتاز و32 في الجاموسي.
ويؤكد صاحبنا أن الأرباح من إنتاج الجبن أكثر منها في حالة إنتاج اللبن فقط.. وإن كان هذا اللبن يستخدم في إنتاجها, فقط يضاف الي طن اللبن المجنس لإنتاج نوع من الجبن4 كيلو بوتاس( صودا كاوية) و4 كيلو كلور لمنع اصفرار لون الجبن و4 كيلو من كيماوي اليوريا المستخدم في تسميد الأرض الزراعية و10 كيلو صوربات وهي مادة تشبه لسان العصفور( بوتاسيوم سوربيت) ويساعد في تماسك قوالب الجبن ويستخدم فيها أيضا زهرة الغسيل وبودرة سيراميك وبلاط الأرضيات, التي أحيانا ما تستخدم بكميات كبيرة بدلا من بودرة اللبن المجفف خاصة بعد رفع الدعم عنه بقرار من الاتحاد الاوروبي وارتفاع سعره.
وتنتج هذه المصانع أكثر من1700 طن يوميا من هذه الألبان المسرطنة ومن الجبن أكثر من ثلاثة آلاف طن يوميا وقد أثر انتشارها علي مصانع ومعامل إنتاج الألبان والجبن الطبيعيين ففي ديرب نجم ـ مصدر هذا الوباء ـ أغلق40 معملا بعد أن أفلس أصحابها نتيجة المنافسة غير الشريفة وخسروا ما يقرب من20 مليون جنيه خلال السنوات الخمس الأخيرة مما يهدد بقية مصانع ومعامل الجبن والألبان بالانهيار إذا لم تنتبه الجهات الرقابية لانتشار هذه الصناعة المسرطنة والتي لا تحتاج الي استثمارات عالية فيكفي لأي شخص تعلمها مع مبلغ10 آلاف جنيه للبدء بأجهزة بسيطة تنتج طنين يوميا في مكان لا يتطلب أية تجهيزات وهو ما يسهل لأصحابها سرعة ويسر التنقل خوفا من المطاردة فكما ذكر أحدهم: ننتقل من قرية إلي قرية ومن حي الي حي بسهولة ولا نظل في أي مكان اكثر من10 أيام خاصة ان إيجار اليوم مائتا جنيه, وعن أجر العامل قال لا يقل عن ثلاثة آلاف جنيه شهريا لأنه يدرك خطورة عمله, ويؤكد واقع خراب النفوس انتشارها والذي بدأ ـ ومازال ـ بقري وبندر ديرب نجم بداية من إكوا قرية أحمد عبده ودبيج ومدينة السلام والابراهيمية حيث معمل أحمد عبده و10 معامل أخري و15 معملا في كفور نجم ومثلها في قرية روبيط مركز ديرب والقنايات وبهنباي والزقازيق وقد انتشرت في سمنود ومصنع علاء عبده في قرية برج النور مركز أجا وينتج نفس الكمية تقريبا وفي العديد من قري القليوبية ومدينة قليوب وفي جروان بالمنوفية وقويسنا الذي لا يقل حجم إنتاج تاجرها اليومي حسب مصادر قريبة منه عن مائتي طن من اللبن المجنس المغشوش يوميا يبيع20% يوميا لمحلات الألبان في مصر الجديدة ومدينة نصر يوميا والمطرية وامبابة بسعر جنيهين وهناك مصنع آخر في دمنهور وغيره في سيدي سالم محافظة كفر الشيخ ومصنعان بمحافظة دمياط, ولأنها صناعة حديثة ودائما ما يسبق المجرم القانون والسلطات فإن ما تم رصده من قبل جهات الرقابة التموينية وهي في الأغلب نائمة ـ لم يتعد محضري غش بعد ضبط مصنعين في قري ديرب نجم عام2004 ورغم استفحال هذا النشاط فإن الأمر توقف عند ذلك, المهم أن تحليل العينات من قبل مديرية الصحة أثبت عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي ورغم خطورة النتائج فإن الصحة أو التموين رفضا التعاون معنا في نشرها.
قبل أن نمضي أسر إلينا بخطته للاستيلاء بطريقة ما! علي قطعة أرض بمنطقة المنتزه بالزقازيق من وقف الجريدلي باشا ولسوء حظه كان معنا المناضل السياسي القديم فاروق ناصف أحد أحفاد الجريدلي ومن أصحاب الوقف والذي دهش لما يقوله.
وعن حالتي الضبط قال أحمد حمام مدير إدارة تموين ديرب نجم: نسقنا مع مباحث التموين بناء علي معلومات وتحريات توصلنا إليها عن قيام البعض بتخليق الألبان من بودرة البلاط والزهرة والكلور واليوريا والألبان المجففة يتم ذلك في حظائر الماشية وبعض المساكن القديمة في ديرب والهوابر.
وتحفظنا علي المواد المستخدمة من بودرة البلاط والزهرة وغيرهما, وبإحالتها الي مديرية الصحة للتحليل أثبتت أنها غير صالحة للاستهلاك ولكن الأحكام كانت لا تساوي جرم ما فعلوه.
وعن قانون محاربة الغش ـ وهو مازال مقصورا ـ يقول المستشار الدكتور شوقي الصالحي رئيس محكمة جنايات المنصورة: المادة6 من القانون رقم10 لسنة66 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها نصت علي اعتبار الأغذية مغشوشة إذا نزع جزئيا أو كليا أحد عناصرها, وقد صدر قرار وزير الصحة في7 يوليو1952 بشأن المقاييس الخاصة باللبن ومنتجاته وجاء في مادته الأولي ألا تقل نسبة الدسم في اللبن عن5,5% وهو غير موجود في اللبن المجنس بل وقد خلق تخليقا وبهذا يكون من قاموا بذلك قد ارتكبوا جريمة عمدية توافر فيها القصد الجنائي وتكاملت أركان جريمتهم والأحكام الحالية مقصورة عن معاقبتهم بقدر جرائمهم. ولذا فإنني أهيب بالمشرع لتعديل الحد الأدني للعقوبة بشأن جريمة غش الأغذية وهي سنة وغرامة10 آلاف جنيه بأن تكون الحبس المطلق دون تحديد حد أدني لسنوات العقوبة, وإن كان تصور المستشار شوقي الصالحي في تغليظ العقوبة عائد إلي الرفق بآخرين يكون غشهم أقل ضررا وخطرا, وهنا نتساءل لماذا لا يتم تحديد مواد بعقوبات قاسية في حالات معينة مما تؤدي الي الإصابة بالأمراض أو تعريض حياة المواطن للخطر؟.
مـــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــقول