" شالوم ، شالوم كفى ، هيا انهض "
انتبهت لمن تستلقي بقربي تناديني ، تهزني بشدة . حمدت الرب على يديّها اللتان تحورتاه إلى طوق نجاة ، فأنقذتني .
رفعت رأسي المثقل بالكوابيس بصعوبة ، فرأيتها ملتفة بشراشف بيضاء . كانت تتجه إلى المنضدة بتوتر ، أخذت لفافة تبغ ثم بدأت بتدخنتها .
سَحَبَت نفساً عميقاً و قالت : " لقد أصابني السأم ، لا أحتمل النهوض كل ليلة على هذيانك و بكاءك " .
شعرت بالدماء تسري في وجهي و بحرارة الهبت جسدي . لم تكن هذه المرة الأولى ، لطالما وجدتني في موقف حرج اتصبب عرقاً، أو عراك بغيض اخوضه مجبراً . لا شيء يذكرني بالولايات المتحدة – مسقط رأسي – سوى امور كهذه .
عادت تنفث الدخان قائلة : " ألا ترى أنه من المستحسن بك أن تبحث عن مكان اخر ، تقيم فيه ؛ ما عدت ابغي استقبالك "
اشحت بوجهي عنها ، لئلا ترى ما خلفته كلماتها القاسية . أخذت ارتدي البنطال بيدين مرتجفتين ؛ أكان لابدّ من أن ينتهي بهم الامر إلى نسيان انسانيتي ! كلا ، انهم يتجاهلون مشاعري ، حقي في الحياة .
رتبت ما املك من المتاع القليل في حقيبة صغيرة ، حملتها على كتفي و مضيت خارجاً من الغرفة ، بيد أن شعور لم افهمه اجتاحني بغتة ً ، جعلني اعود لأشد " ميلس " من شعرها و اسدد فوهة مسدسي في رأسها بحنق ، قائلاً :
" اسمعيني جيداً ، إن حدث و تفوهتي بحرف واحد ، مما دار بيننا و عرفته عني ، طوال الاشهر المنصرمة ، سأفرغ حشو هذا المسدس في رأسك . ثقي بأن لا رادع لي "
* * *
خرجتُ اعبر أزقة " ألون شيفوت " الصامتة ، شعرت بها تطوق عنقي ، تمنع جزيئات الاكسجين من الوصول إلى رئتيّ . جسمي اصابه الارهاق ، و عقلي كذلك ؛
قطع الحجارة الصغيرة التي تتطاير – امامي – إثر ركلاتي لها ، تستفزني . تذكرني بتلك الأجسام الصغيرة التي تتحرك و تطلق على انفسها ألقاباً سخيفة كـ { اطفال الحجارة } . هه ، أو بقي في ادمغتهم عقولاً ! لا أظن ذلك .
شعرت بغُصّة في حلقي ، فالأجسام الصغيرة – و إن كنت احتقرها – تخرج في سبيل إسترجاع ارض لها سلبتها بنفسي ، و تحيا لغاية ، لم اشعر بسموّها يوماً .
هززت رأسي نفياً : كلا ، لا تروق لي خاطرة كهذه . رفعت نظري لأرى الارض من حولي ، إنقباضات تكتنف قلبي ، كلما عبرت هذا الشارع و وقعت انظاري على ذالك { المرتع } للمواشي و الحيوانات المشردة ، الذي كان في يوماً ما ، مسجداً مقدساً يؤمّه المسلمين !
تجاهلت ما اعتراني و خطوت بإتجاه حانة " عزرا ميردوخ " ، أحد اصدقائي .
* * *
رحتُ أحرك مكعبات الثلج في القدح و أنا أحادث " ميردوخ " ، أحدق إلى عينيه و اتذكر معاناته ، ذلك ان والده تورط في تعاون مع المخابرات البريطانية ، فكان أن يُعتقل في { سجن الهاجاناة } و يموت اثناء استجوابه في غرفة التعذيب على مرآى منه .
انتبهت إلى " عزرا " يقول :
" لمَ أرى هذه الحقيبة معك ؟! هل تنوي الرحيل ؟ و " ميلس " استتركها ؟ "
تلفت يمنة و يسرة ثم بدأت بالقهقهة ، قائلا :
" العاهرة ؟ آه ، أجل ؛ تجلب لي الضجر يا صاح . لكنني لست براحل ، سأغير محل إقامتي و حسب "
بادر هو بالضحك ثم قال :
" خيرٌ اذن ، ظننتك ستذهب مع " عوفاديا " ، فهو ينوي الرحيل "
" أجل ؟ لم أكن على علم ، لماذا ؟ "
" لا أدري ، عوفاديا كثير الكلام ، سله بنفسك "
اظنه ضجر المكان ، فهو كثير السفر و الترحال ، و لم يمضي على قدومه إلى هنا سوى بضعة سنوات ، ذلك انه يملك من المال ما يكفي للاستمتاع بهوايته .
التفت إلى الطاولة التي كانت تضمهم ، رفعت كأسي احييهم ، فناداني " فيث " و هو شاب دائم المكوث في هذه الحانة : " إبراهيموفتش ، فلتنضم إلينا "
شاركتهم الجلسة بمعية ميردوخ . فباغتنا بقوله : اسمعتما المخبول ؟! انه تاركٌ ارضه ! "
أجاب عوفاديا باستهتار : " لمَ من المتوجّب عليّ أن ابقى على هذه الارض مع زيادة الانفجارات ، و كل الولايات الامريكية تفتح ذراعيّها لي ؟ "
قال فيث : " هذه ارضنا ، ارض المعياد ، اتتركها للعرب ؟؟ "
أجاب : " ألا ترى أن العمليات الفدائية و عدد القتلى بين صفوفنا يزداد يوماً بعد يوم ، ما حاجتي بالبقاء ! "
صمت فيث قليلاً ثم قال :
" تذكّر منحة الرب : { يطرد الرب جميع هؤلاء الشعوب من امامكم فترثون شعوبا اكبر و اعظم منكم . كل مكان تدوسه بطون اقدامكم يكون لكم من البرية و لبنان . و من النهر . نهر الفرات الى البحر الغربي يكون تحكمكم } (1) "
تدخل ميردوخ بسرعة :
" كلا ، انها منحة مشروطة : { لأنه اذا حفظتم جميع هذه الوصايا التي اوصيكم بها لتعلموها لتحبوا الرب ، الهكم في جميع طرقه ، و تلتصقوا به } (2) فإذا تحقق هذا الشرط ، كانت لنا المنحة الثانية التي تحدثت عنها يا فيث "
قلت : " و إن كنا نختلف في امر المنحة ، فكلنا توراتيون و نتفق على { كل ما تدوسه بطون اقدامكم يكون لكم } "
ابتسم الرفاق رضاً عن قولي ، فبادرت : نخب { اسرائيل الكبرى }
* * *
اخيراً ، لم ندع " عوفاديا " يرحل ، فـ " ميردوخ " شرع يلقنه كل ما درّسه اياه عمه الحاخام منذ الصغر ، من مواعظ و بطولات { شعب الله المختار } . قضيت سهرةً ممتعة بصحبة تلك الدروس ، فهي تجعلني ابدو كصاحب السيادة في اعالي البحار .
لم يتبقى سوى سويعات قليلة على انقشاع الليل و بدأ العمل ، فهرعت ارتدي بذلتي العسكرية بفخر و اعتزاز .
أُعلنت حالة طوارىء جراء بلبلة اقامها عدد من المدنيين ، انخرطت في صفوف الجنود ، اردد في نفسي :
{ و أما مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب الهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما الحيثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين ــ كما أمرك الرب الهك أو أيضا فالآن اذهب وأضرب عماليق وحرم كل مالهم ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا } (3)
" أجل ، سأتمسك بدين الله ، أجل ، سأعمل بوصاياه "
و صوبت بندقيتي بإتجاه رأس صبي – يملأ كفتيّه بقطع الحجارة – بإنتظار { وعد الله } .
النــــــــــــــــهاية
* ألون شيفوت : مستعمرة في الضفة الغربية .
(1) ، (2) : سفر الثنية 12:11
(3) : الاصحاح العشرون 17:16