بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سوف أحاول أن أطرح أسئلة قصيرة وابحث عن أجوبة لها
: ما هو معنى مصطلح ( أهل السنة والجماعة )؟
ومن هم الجــماعة في زماننا ؟؟وما العمل إذا حصل تباين بين الجماعة والحق ؟؟
مصطلح ( أهل السنة والجماعة ) لم يأت بنفس اللفظ في الكتاب و السنة ، ولكنأتت الأدلة على وجوب إتباع السنة وكذلك الأدلة التي أوجبت لزومالجماعة.
وفي لفظ " السنة " نتذكر وصيته صلى الله عليه وسلمالتي رواها عنه العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال : « فمنيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضواعليها بالنواجذ» رواه الترمذي وقال حديث حسن و أبو داود في سننه، و ابنماجه، وأحمد بن حنبل في مسنده، والحاكم في مستدركه.
وقال صلى الله عليه وسلم « .. وإياكم ومحدثات الأمور فإنكلَّ بدعة ضلالة » صححه الألباني في صحيح سنن الترمذيوقال صلى الله عليه وسلم « كل أمتي يدخلون الجنة إلا منأبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» صحيح البخاريوقال صلى الله عليه وسلم « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلموحديث حذيفة رضي الله الذي رواه الشيخان : كان الناس يسألون رسول الله صلىالله عليه وسلم عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إناكنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال "نعم" فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال "نعم وفيه دخن" . قلت وما دخنه قال "قوميستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر".وقال تعالى ** ... وَمَا آتَاكُمُالرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ الحشر (7) ]
توطئة ومدخل :
إنالعدو الكافر الأصلي وعملائه المنافقين وجدوا من الصعوبة بمكان اللعب على مفهوم(السنة ) لعدم قدرته على تحريفها ، فهي ثابتة عند أهلها محفوظة في صدورهم ، منقحةومنقاة ومطهرة ، ولكن هذا العدو وجد ضالته التي يستطيع اللعب عليها في مفهوم(الجماعة ) ، فمن مصلحة هذا العدو وعملائه المنافقين _ أخزاهم الله _ تفريق هذهالجماعة وذلك بالاندساس بين أهلها ، وضرب بعضها ببعض ، وقد وجدوا ضالتهم في هذاالذي نسميه نحن بـ "الكنيف نت " الذي وجدنا أنفسنا مضطرين أن نخوضفيه!
وإذا علمت هذا وفهمته وتنبهت إليه ، ثم علمت أنكلن تسلك الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله لعباده إلا بتحقيق المفهوم كاملاً فإذاعلمت ذلك وفهمته وحققته رحمك الله فقد نجوت من الفتن واختلال الأفهام ، والتقلب بينالمناهج التي ضل بسببها كثير ممن يعيش في زماننا .
الأمر بوجوب التزام الجماعة :
ـالتزام الجماعة أمر أوجبه اللهقال تعالى(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًاوَلاَ تَفَرَّقُواْ.. ) آل عمران (103)
(وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْوَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌعَظِيمٌ)آل عمران (105)(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْوَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)الأنفال (46)
(إِنَّ الَّذِينَفَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَاأَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)الأنعام (159)
(وَمَن يُشَاقِقِالرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِالْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا)النساء (115)
(شَرَعَلَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَاوَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَاتَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُيَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ . وَمَا تَفَرَّقُواإِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌسَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّالَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ . فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْوَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُاللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَاحُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِالْمَصِيرُ)الشورى (13) (14) (15)
(وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِمَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)البينة(4)
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " من فارق الجماعة شبرا ماتميتة جاهلية" رواه البخاري ومسلموقوله صلى اللهعليه وسلم لحذيفة بن اليمان: « تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» تقدم تخريجهوقوله صلى الله عليه وسلم : « من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» قال الترمذي :حديث حسن غريب ، و رواه أحمد وأبي داود وقال ابن حجر في فتح الباري " حديث مصححرواه الترمذيوتمام هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليهوسلم « وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع ، والطاعة ، والجهاد، والهجرة ، والجماعة ، فانه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقهإلا أن يرجع ، ومن ادعى دعوى الجاهلية فانه من جثا جهنم»
« يد الله مع الجماعة ومن شذشذ في النار » رواه الترمذي عن ابن عباس وقال حسن غريبوقوله صلى الله عليه وسلم « يد الله على الجماعة وإنمايأكل الذئب من الغنم القاصية» في صحيح ابن خزيمةوقوله صلى الله عليه وسلم « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدىثلاث، الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة »
وقوله صلى الله عليه وسلم : « مندعا إلى عصبية فمات فميتته جاهلية»
وقوله صلى اللهعليه وسلم «عليكم بالجماعة، إن الله لم يجمع أمتي إلا على هدى»
وقوله صلى الله عليه وسلم « منفارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»
وروي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «الأرضَالأرض، فإنه لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا طاعة» رواه عنه الدارميوقال ابن تيمية: فإن القرآن يأمر بدين الإسلام وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصامُ بهجميعا إنما يكون في الجماعة) منهاج السنة)وبعد : أخيالمبارك هل تأملت الآيات و الأحاديث ؟ وهل أعدت نظرك فيها ؟!
إن كل هذه الآيات والأحاديث التي أمرت بلزوم الجماعة ، وحثت عليها ، وحذرتمن مفارقتها ، ونصحت وضربت الأمثلة الناصعة بالأمم السابقة ، كل ذلك يدل دلالةواضحة بيّنة على أهمية هذا الأمر ووجوب لزومه والحث عليه والدعوة إليه ..
ما هو مفهوم الجماعة؟ومن هم أهلها في زماننا؟
تعريف الجماعة لغة :ـجاء في الجامعالوسيط : ( جمع ) المتفرق جمعا ضم بعضه إلى بعض ،و في المثل ( تجمعين خلابة و صدودا ) يضرب لمن يجمع بين خصلتي شر وخير ، و "جمع الله القلوب" ألّفها فهو جامع و جموعأيضا و مجمع و جماع و المفعول مجموع و جميع ، و يقال جمع القوم لأعدائهم حشدوالقتالهم و في التنزيل العزيز " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "
( أجمع ) القوم اتفقوا ،و ( تجمع ) انضم بعضه إلى بعض، و( استجمع ) تجمع ويقال استجمع القوم تجمعوا من كل صوب ، و السيل اجتمع من كل موضع ، و( أجمع ) اسميدل في التوكيد على الشمول يقال جاء القوم أجمعهم و بأجمعهم كلهم و نلت حقي أجمعه وبأجمعه نلته أجمع .
و( الجامع ) من أسماء الله الحسنى ، وأمر جامع له خطر يجتمع لأجله الناس و في التنزيل العزيز :ـ " وإذا كانوا معه علىأمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه " .
و(الجماعة ) : العددالكثير من الناس و الشجر و النبات و طائفة من الناس يجمعها غرض واحد .
والجماعة : عددُ كل شيءٍ وكثْرَتُه .
وفي الحديث كما عند مسلم :" اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لاتعبد في الأرض "
قال النووي :ـ العصابة : الجماعة .
الجماعة اصطلاحاً:
اختلف العلماء في تحديد معناها اصطلاحا على أقوال: فقيل هم الصحابة.
وقيل هم : أهل العلمو قال الإمام الترمذي: «وتفسير الجماعة عند أهل العلم همأهل الفقه والعلم والحديث»
وقيل : الجماعة ما وافقالحق ولو قل المتمسكون به، كما قال ابن مسعود : « الجماعة ما وافقالحق ولو كنت وحدك »
وقال نعيم بن حماد : «إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنتوحدك فإنك أنت الجماعة»
وقيل الجماعة : هيالسواد الأعظم المجتمعون على إمام يحكم بالشرع ويجانب الهوىوالبدعة.
وقد لخص ابن حزم رحمه الله هذه الأقوال وجمعهاحيث قال في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) : وأهل السنةالذين نذكرهم أهل الحق، ومَن عداهم فأهل البدعة؛ فإنهم الصحابة رضي الله عنهم،وكلُّ مَن سَلَكَ نهجهم من خيار التابعين رحمهم الله تعالى، ثم أصحاب الحديث، ومَناتَّبعهم من الفقهاء، جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومَن اقتدى بهم من العوامِّ فيشرق الأرض وغربها ..وجاء التعريف في فتوىاللجنة الدائمة : السؤال الثاني من الفتوى رقم ( 4143)س2: ما هو التعريف الاصطلاحي لأهل السنة والجماعة ؟ هل العلماء من مدرسةبريلوي بالهند يعتبرون من أهل السنة والجماعة ولماذا؟ج2: « هم: من كانوا على مثل ما كان عليه محمد بن عبد الله عليه الصلاةوالسلام وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة. »
وقال الراجحي في شرحه للعقيدة الطحاوية :ـ « والجماعة، لغة: الفرقة من الناس. والمراد بهم هنا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
وقال ميمون بن مهرانقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعة ما وافق الحق وإن كانت وحدك، -صدق نعم- وقالنعيم بن حماد إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنتوحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي وغيره.
قال ابنالقيم في كتابه "إعلام الموقعين": واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هوالعالم صاحب الحق وإن كان وحده، -نعم ولو كان وحده، كما كان إبراهيم -عليه السلام- على الحق وحده نعم- وإن خالفه أهل الأرض، وقد شد الناس كلهم زمن الإمام أحمد بنحنبل إلا نفرا يسيرا فكانوا هم الجماعة، وكان الفقهاء والمفتون والخليفة وأتباعه همالشاذين -هم الشاذين ولّا هم الشاذون؟.. وكان أيش؟ وكان..- وكان الفقهاء والمفتونوالخليفة وأتباعه هم الشاذين -يعني: جعلهم فصل، والشاذين خبر كان، نعم- وكان الإمامأحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أميرالمؤمنين، تكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل، وأحمد وحدهعلى الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل، فلا إلهإلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة! وهي السبيل المهْيَع لأهل السنة والجماعة. » انتهى كلام الشيخ عبد العزيز الراجحي .
وقال ابن عثيمينرحمه الله في [ منهاج أهل السنة والجماعة ] : « أهل السنة والجماعة هم الذين هداهمالله تعالى لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم،وكلنا نعلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث بالهدى ودين الحق، الهدى:الذي ليس فيه ضلالة، ودين الحق: الذي ليس فيه غواية، وبقي الناس في عهده على هذاالمنهاج السليم القويم، وكذلك عامة زمن خلفائه الراشدين، ولكن الأمة بعد ذلك تفرقتتفرقًا عظيمًا متباينًا، حتى كانوا على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،وهي ما كان عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، بهذا نقول: إن هذهالفرقة هي فرقة أهل السنة والجماعة وهذا الوصف لا يحتاج إلى شرح في بيان أنهم همالذين على الحق؛ لأنهم أهل السنة المتمسكون بها، وأهل الجماعة المجتمعين عليها ولاتكاد ترى طائفة سواهم إلا وهم بعيدون عن السنة بقدر ما ابتدعوا في دين الله سبحانهوتعالى، ولا تجد فرقة غيرهم إلا وجدتهم فرقة متفرقين فيما هم عليه من النحلة .وقد قال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَمِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَاكَانُوا يَفْعَلُونَ (الأنعام: 159)إذن لاحاجة لنا إلى التطويل بتعريف أهل السنة والجماعة . لأن هذا اللقب يبرهن على معناهبرهانًا كاملًا وأنهم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها » (انتهى كلام ابن عثيمينرحمه الله في منهاج أهل السنة والجماعة.)
العلاقة بين الحق والجماعة:
ـ(يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَللَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)الأنفال (29)
ما هو الحق؟
الحق الذينقصده هنا هو المنهج الصحيح والصراط المستقيم الذي من سلكه اهتدى إلى الله ، ومنزاغ عنه ضل وغوى .
والله سبحانه لم يدعنا إلا وقد أوضح لناالطريق ، بنورٍ من وحي يهتدى به . فسبحانه له النعمة وله الفضل لا نحصي ثناءً عليه ..
فقال عزّ وجلّ :
(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْفَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)الأنفال (46)فهنا ثلاثة أوامرواضحة لمن أراد النجاة والوصول إلى الله :
ـ طاعة اللهورسولهـ عدم التنازع في الطاعة .
ـالصبر على الأذى في سبيل ذلك .
وقال صلى الله عليه وسلم « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون فيالنار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون في النار وواحدة فيالجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة،واثنتان وسبعون في النار». رواه ابن أبي الدنيا عن عوف بن مالك.
ورواه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وابن حبان،وصححوه، عن أبي هريرة ، بلفظ: « افترقت اليهود على إحدى ـ أواثنتين ـ وسبعين فرقة، والنصارى كذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم فيالنار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: « ماأنا عليه وأصحابي»
وقال صلى الله عليه وسلم « لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أوخالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس » أخرجه أحمد والشيخان .
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين :ـ
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ***** حدا بك حادي الشوقفاطو المراحلاوقل لمنادي حبهم ورضاهم ***** إذا ما دعا لبيكألفا كواملاولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ***** نظرت إلىالأطلال عدن حوائلاولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ***** ودعه فإنالشوق يكفيك حاملاوخذ منهم زادا إليهم وسر على ***** طريقالهدى والحب تصبح واصلاوأحي بذكراهم شراك إذا دنت ***** ركابكفالذكرى تعيدك عاملاوإما تخافن الكلال فقل لها ***** أمامكورد الوصل فابغي المناهلا
بعد أن عرّفنا الجماعةوبينّا أهميتها ، يبقى لدينا أمر هام ألا وهو إذا حصل تباين بين الحق والجماعة ، أيبمعنى أوضح إذا زاغت الجماعة عن الحق فما هو الحل ؟ وماذا تفعل ؟الأمر قد يكون نسبياً في هذه المسألة فهو بالنسبةللعالم ، مختلف عنه بالنسبة لطالب العلم مختلف عن العامي ..
فالعالم الرباني :
يجبعليه التمسك بالحق والاستماتة في الدفاع عنه وإن ضلت الأمة.
ودليل الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم :" فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضبأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " ، كذلك فإن العالم الرباني إذا ضل ضلتالأمة كلها بسببه . كما مر بنا موقف الإمام أحمد وغيره من الأئمة مثل موقف الإمامابن تيمية رحمه الله والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم .. وهو الموقف نفسه الذي بهكان نبي الله إبراهيم عليه السلام أمة وحده .. وهنا تبرز وتتجسد بكل معانيها مقولةالصحابي عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه-: " الجماعة ما وافقالحق وإن كانت وحدك " .
أمابالنسبة لطالب العلم :
فإليك هذا السؤال الذيطـُرح على اللجنة الدائمة :
السؤال الرابع من الفتوى رقم ( 6280 ) :
س4: الجماعات والفرق الموجودة الآن أقصد بهاجماعة الإخوان المسلمين ، وجماعة التبليغ ، وجماعة أنصار السنة المحمدية ، والجمعيةالشرعية ، والسلفيين ، ومن يسمونهم التكفير والهجرة ، وهذه كلها وغيرها قائمة بمصرأسأل ما موقف المسلم منها؟ وهل ينطبق عليها حديث حذيفة رضي الله عنه: « فاعتزل تلكالفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك » رواه الإمام مسلمفي الصحيح؟ج4: كل من هذه الفرق فيها حق وباطل وخطأوصواب، وبعضها أقرب إلى الحق والصواب وأكثر خيرا وأعم نفعا من بعض، فعليك أن تتعاونمع كل منها على ما معها من الحق وتنصح لها فيما تراه خطأ، ودع ما يريبك إلى ما لايريبك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآلهوصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلميةوالإفتاءالشيخ عبد الرزاق عفيفي و الشيخ عبد العزيز بنبازهنا أطرح سؤال مهم جداً ، لماذا لم تطلباللجنة من السائل أن يعتزل تلك الجماعات ويلتزم المنهج السلفي وهو الحق الذي كانعليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟تأمل ذلك جيداًوأعد النظر فيه ستصل لحقيقة مهمة هي مدار هذا البحث .
هنا عند هذا السائل حصل التضارب بين الحق وبين الجماعة ، وكلا الأمرين كلفنابإتباعه وجوباً كما مرّ بنا من أدلة صريحة ، فأرادت اللجنة ـ رحم الله أعضاءها ـأرادت أن تجمع للسائل بين الأمرين الحق وهو الإتباع ، والجماعة بلا شذوذ عن الحق ،كذلك أرادت في نفس الوقت أن تجنبه مزالق خطيرة وهي لم ترد حديث رسول الله صلى اللهعليه وسلم الذي يأمر بالاعتزال كما قد يبدو للمتعصب والمتحزب لهواه .
بل إن اللجنة جمعت للسائل بين الأدلة فألزمته بإتباعالحق من جهة ، وعدم الانعزال ومفارقة الجماعة ، والمناصحة في الحق والدعوة إليه ،وذلك لمعرفتها أهمية ذلك ، فطالبته بالتزام الحق والجماعة معاً وأن يدع ما يريبهإلى ما لا يريبه ، قد تكون رحمت ما قد يترتب على انعزاله من انتكاس لا سمح الله ..
و هذا السائل واضح أنه طالب علم ، فقد أورد السؤالمتضمناً حديث صحيح قام بتخريجه بنفسه في السؤال ، ومن هنا نستنتج أن طالب العلم فيحالة تضارب حاصل بين الحق والجماعة وسط بيئته التي يعيش فيها في حال كانت البدع فيتلك الجماعات لم تصل لحد الشرك المخرج من الملة ، فلو لاحظت أن الجماعات التي ذكرتفي السؤال لم تصل بدعها لحد الشرك كالصوفية والرافضة مثلاً.
أما بالنسبة للعامي :فالعامي كما هو معروف مقلّد ، ولكنعليه واجب التأكد من سلامة منهج العالم الذي يقلده ، وأنه لم ينحرف عن أصل المنهج : الكتاب والسنة ، فالعامي إذا قلد عالم ، واتبع شيخه وهو يعلم أنه مخطئ ، مخالفللكتاب والسنة ، مبتدع لا متبع، فإنه يكون محاسباً في ذلك ، لأنه خالف ما أوجبهالله على عموم المكلفين في أصول المعتقد .
الخاتمة :
أخي الكريم هذا المنهجالذي استعرضته أمامك ، وشرحته لك ، وفق ما هداني الله وأنعم عليّ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطئت فمن نفسي والشيطان ، أدين الله أن هذا هو المنهج الحق القويم في هذاالزمان المتقلب العجيب ، وأصحاب هذا المنهج الذين يلتزمون المنهج السلفي ، وما كانعليه رسول الله وأصحابه :
فلا يحاربون الدعوة بل يدعون إلىالله ويشدون على أيدي الدعاة وينصحونهم .
ولا يسقطون الجهادبل يرون أن الجهاد قائم إلى قيام الساعة ، وإلى أن يقاتل آخر هذه الأمة المسيحالدجال وهذا من أصول المعتقد فيشاركون مع إخوانهم ويدعمونهم .
ولا يكفرون المسلمين بكبيرة ولا بناقض لم يتأكدوا من خلوه من الموانع والعلل، بل ينصحون ولا يحاربون ..
ولا يتكلمون في المعين الحي ،ولا يشهدون أنه من أهل النار أو من كلابها إذا مات ، بل ينصحون أصحاب هذا الفكرأيضا ويتعاونون معهم فيما معهم من حق.
فهم على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بحق . ينظرون إلى كل هذه الجماعات التي ذكرت فيالسؤال الذي طرح على اللجنة أنها من أهل السنة والجماعة بالجملة ما لم تقع في بدعتخرجها منها ، وتقوم بمناصحتها في خطئها ، وتشجيعها وتدعمها فيما معها من الحق نصرةلدين الله ومحاربة لأعدائه .
إن أصحاب هذا المنهج ـ الغرباءحقاً ـ الذين ينظرون إلى هذه الجماعات هذه النظرة هم تلك الفرقة الناجية والطائفةالمنصورة ، ويكفي للتأكيد على ذلك أنها جمعت كل الخصال التي كان عليها رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابه, ثم إن هذا هو عين منهج الجماعة التي سبقتنا والله الموفق .