لا تكن مثاليا
هارولد كوشنر
القصور جزء من إنسانيتنا وحين نحاول أن نبلغ الكمال فإننا نحاول المستحيل!
لا شئ يسئ إلينا وتضيق به نفوسنا أكثر من شعورنا بـأن الآخرين لا يحبوننا. وقد لمسْت
ذلك من خلال التعامل مع مشاكلي ومشاكل الناس حيث أقنعني ذلك بأنه يجب أن
نكون مثاليين حتى نكتسب حب الآخرين ، وأنه علينا أن لا نخطئ في حقهم لكي نظل
على مسافة قريبة من حبهم لنا.
وقد تلقَّنَّا هذه الفكرة من أهلنا ونحن صغار حين كنا نتلقى عنايتهم ومحبتهم ونسمع
نصائحهم بأن نصحح أخطاءنا وحثهم لنا على فعل الأفضل.
وقد يلعب الدور نفسه أساتذتنا في المدارس الذين يمتدحوننا حين نجيد ، ويؤنبوننا
عندما نخطئ، ولا زلت أذكر كيف كيف أن معلمة قسمت صفنا إلى قسمين في مسابقة
للفظ كلمات بطريقة صحيحة حيث فاز فريق وخسر آخر، وكان الفريق الخاسر موضع عدم
رضا المدرسة، وتساءلْت وقتها هل هذه الوسيلة صحيحة وجيدة أم العكس.
علينا أن نكافح دائما لنبلغ الكمال، ولكن كوننا بشر ونخطئ فإنه من الصعب الوصول
إلى هذه الغاية.فنحن في كثير من الأحيان نواجه مشاكل معقدة لا نستطيع وضعها في
إطارها الصحيح، وفي هذا السياق كتب الطبيب النفسي (دايفيد بيرنر) مرة أن محاميا
بارزا ومشهورا كان يخاف دائما من خسارة أية قضية حتى لا يفقد احترام زملائه،ولكن
عندما فاتحهم بمخاوفه فوجئ حين أخبروه أنهم يحترمونه أكثر حين يخطئ لأنه بشر في
النهاية.
وأتذكر أيضا كم من المرات أخبرت أولادي بخطئي في هذا الأمر أو ذاك وخوفي أن
أفقد احترامهم من جراء ذلك، ولكنني فوجئت بهم يقولون لي أنهم معجبون بي
لاعترافي أمامهم بالأخطاء لأنهم يحتاجون إلى التأكد من نزاهتي أكثر من أن أكون
إنسانا كاملا.
ولكن بعض الناس أحيانا لا يحتملون أخطاءنا،فالآباء يريدوننا بلا أخطاء، أو زوجاتنا
اللاتي يعزفن على قيثارة فشلنا لأنهن يردن أن لنا أن نصحح من مسيرتنا ونتقدم،أو
أصدقاؤنا الذين لا يغفرون لنا إذا قمنا بما يمسهم.
إن ردود هؤلاء جميعا تجاه فشلنا أو أخطاءنا تجعلنا نشعر بالذنب. ولكن قبل الوقوع في
أتون هذا الشعور علينا سؤال أنفسنا: هل من مبرر لهذا الشعور؟
قبل سنوات ماتت إمرأتان متقدمتان في العمر تعملان معي في أسبوع واحد، فذهبت
لتعزية أولادهما بعد ظهر أحد الأيام.
في بيت المرأة الأولى قال لي ابنها الكبير أنه كان السبب في وفاة والدته لأنه لم يلح
علها بقضاء الشتاء البارد في مكان آخر كولاية فلوريدا المعتدلة الطقس، وأنه لو فعل لما
ماتت.
وقد حاولت تعزيته ومواساته، ومن ثم قصدتُ بيت المرأة الأخرى فقال لي ابنها الكبير
أنه أيضا المسئول عن موت والدته لأنه أصر عليها بالسفر إلى فلوريدا الدافئة لقضاء الشتاء
ولكنها لكبر سنها لم تتحمل عناء السفر.
ولو سلمنا إلى هذا الشعور بالذنب هو في موقعه الصحيح فإن ذلك يرجع إلى العمل
ذاته ( أي ذهاب المرأتين إلى فلوريدا أو عدم الذهاب ) وليس إلى أنفسنا. فالرجل
الذي يخون زوجته والمرأة التي لا تعتني كفاية بشؤون منزلها المادية فتسرف في
المصروف، يمكن أن يشعرا بالذنب. وقد يكون هذا الذنب محركا للتغيير نحو الأفضل،
ولكنه أحيانا يدمّر ويشل الإنسان ليرميه في دائرة شعور بعدم القيمة أو فقدانه لحب
الناس له.
ونحن حين نخطئ في شئ ما فإننا نخلق وضعا داخل أنفسنا يكون فيه الجزء الطيب من
ذاتنا في حرب مع الجزء الطيب من ذاتنا في حرب مع الجزء الضعيف والأناني .
وبذلك نفقد حس التكامل الذي يمكننا من القيام بما يجب عليه ونحتاجه.
إن الحياة ليست فخا منصوبا لنا لمحاكمتنا على أخطاءنا، فالحياة مثل اللعبة
الرياضية:فأفضل الفرق يمكن أن تخسر كما يمكن لأضعف الفرق أن تربح . وهدفنا هو
أن نربح أكثر مما نخسر.
وعندما نتقبل هذه الحقيقة ، بأن القصور هو جزء من إنسانيتنا ، وحين نستمر في خوض
غمار الحياة، وتقديرها أيضا، فأننا نحقق بذلك كياننا الكامل الذي يأمل به أي إنسان.
وفي النهاية، إذا كنا نملك قدرا كافيا من الشجاعة لنحب، وقدرا من القوة حتى نغفر،
وقدرا من الطيبة لنسعد مع سعادة الآخرين، وقدرا من الحكمة لنعرف أن هنالك حُبّا
غامرا يكفينا جميعا، عندئذ فإننا نبلغ المنى ونحقق من الرضا عن أنفسنا كما لا يحدث
لأي مخلوق أخر.
عندئذ نستطيع أن نعود إلى الجنة.
عن كتاب:"لأية درجة يجب أن نكون طيبين؟"
الناشر: ليتل-براون، نيويورك
منقول عن مجلة الجيل